كتاب خبراليوم

من الحقل إلى العقل

بقلم / أحمد حسن الملوحي 

لم يكن قد نفض غبار السفر عنه بعد عندما استل منجله و اعتمر قبعة الخوص التي يدخرها والده لمثل هذه الأيام  ، يسابق خيوط الفجر سلك الطريق المفضي إلى حقل والده بهمة عالية و حماس متقد عاقدا العزم على ألا تغرب شمس هذا اليوم إلا وقد عانق منجله كل سنبلة في الحقل .

كان قريبا جدا من هدفه عندما لاح له من بعيد ما يبدو وكأنهم أشخاص يقفون إلى جوار حقله أمعن النظر جيدا فتبين له جليا أنهم رجل و امرأه ومعهما صبي ، لم يشأ أن يزعجهم تواجده ففضل التريث ريثما يقضون حاجتهم و يرحلون ، جلس القرفصاء و قد تسمرت نظراته عليهم ، لكن مكوثهم طال أمده وبدأ يشعر بوخز أشعة الشمس فتوجه نحو شجرة تتنصب في الجوار وجد في ظلها الشحيح ملاذا يقيه وهج الشمس.

شعور بالضيق الممزوج بشيء من الغضب بدأ يتسلل إلى نفسه فالوقت بدأ ينفذ منه و جذوة حماسه بدأت تخبو ، وربما خسر رهانه مع نفسه ولن يتمكن من إنجاز مهمته التي خرج باكرا من أجلها .

في النهاية و بعد أن أوشكت الشمس أن تتوسط صفحة السماء اتخذ قراره بالتوجه نحوهم مهما كانت العواقب فحث الخطى ، و هو يمني نفسه أن يفطنوا لقدومه فيتنحوا عن الطريق وما أن اقترب منهم حتى ألقى بجسده على الأرض و انفجر ضاحكا فلم يكن الرجل والمرأة والصبي سوى ثلاث فزاعات أجاد صاحب الحقل المجاور صنعها و ألبسها من الأسمال ما جعل كل واحد منها يبدو كشخص حقيقي .

حيلة قديمة لازالت تؤتي أكلها في طرد الطيور المتطفلة ، جلس قليلا يتحسر على وقت خسره وهو في أمس الحاجة لكل دقيقة منه ، في سعينا الحثيث نحو أهدافنا المنشودة تعترضنا الكثير من الصعاب التي تقف في طريقنا كعقبة كؤود تعيق تقدمنا أو تؤخر وصولنا .

يختلف تعاملنا معها فالبعض ممن أصابه رهاب الإخفاق و دب فيه روحه داء التقاعس يرفع الراية البيضاء مبكرا معلنا استسلامه ، و تخليه عن هدفه ولم يكلف نفسه حتى مجرد المحاولة ولو أنه تحلى بقليل من الشجاعة و قدر يسير من الحكمة و الفطنة لوجد أنها أوهن من أن تقف عثرة في طريقه .

والبعض الآخر أيقن أن طريق النجاح لن يكون مفروشا بالورود و آمن بمقدرته على تجاوز تلك العقبات و الصعاب ، فجعل منها دافعا له لبذل المزيد من الجهد والمثابرة ، متسلحا بسلاح العزيمة و الثقة بالنفس و الصبر و قبل هذا وذاك التوكل على الله سبحانه وتعالى وطلب العون منه ، وهذا ما سيقوده الى نجاح بطعم مختلف و بمذاق خاص  .

و في سير العظماء الكثير من العبر و العظات و القصص الملهمة كان الفشل حاضرا في مراحل كثيرة من حياتهم ، فلم يزدهم ذلك سوى عزيمة وإصرارا على بلوغ الهدف وهو نفسه أي الفشل من قادهم لتحقيق نجاح باهر ، وجعل التاريخ يدون أسماءهم خالدة في صفحات المجد ، إيمانهم بقدراتهم و اداركهم ان النجاح يولد من رحم الفشل و بلوغ القمة لا يناله الا أصحاب الهمم العالية و العمل الدؤوب الذين لا يلتفتون لأصوات المثبطين والمخذلين ، ويشقون طريقهم نحو غايتهم بخطى ثابته شعارهم ( لا مستحيل ) .

أما أولئك الذين خسروا معركتهم قبل أن يخوضوها فلن يبرحوا مكانهم و لن يتقدموا خطوة واحدة للامام تماما ، كتلك الفزاعات التي ستبقى في مكانها الى أن تفنى أو ينتهي موسم الحصاد فيلقى بها خارج الحقل .

‫10 تعليقات

  1. صباح الخير

    كنت منتظر المقال على احر من الجمر

    كالعاده طرح متميز

  2. مقال جميل جدا ياليت يستفيد منه اكثر عدد من ابناءنا وخاصة في هذه الأيام لحثهم على الجد والمثابره وان الفشل ليس نهاية بل بداية النجاج

    1. القص من أساليب التأثير الفتية القوية
      ولنا في قصص القرآن القدوة الأمثل
      تلك الفزاعات كشفت (تربية العفة) و(أثر حرارة الشمس) وهي عرفا شعبيا تسمى (الخيال)
      نجح الكاتب في هدفه السامي وإيصال الرسالة
      بقي على جيل (الجوال) تحديد أهدافهم من الحياة…!

  3. القص من أساليب التأثير الفتية القوية
    ولنا في قصص القرآن القدوة الأمثل
    تلك الفزاعات كشفت (تربية العفة) و(أثر حرارة الشمس) وهي عرفا شعبيا تسمى (الخيال)
    نجح الكاتب في هدفه السامي وإيصال الرسالة
    بقي على جيل (الجوال) تحديد أهدافهم من الحياة…!

    1. الحقيقة أخي العزيز هذا الرد بالنسبة لي هو أفضل من المقال نفسه أسمح لي أن أسجل اعجابي الشديد بما خطته أناملك

  4. مقال جميل اتمنى ان يستفيد منه الذين خسروا معركتهم قبل ان تبدأ
    ابوماجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com