كتاب خبراليوم

لماذا يندمج المسلمون في أمريكا دون فرنسا ؟!

بقلم : شادي عيسى حولدار 

فُجِعَ الفرنسيّون في ساعات الظهيرة الأخيرة ليوم الجمعة الـ 16 من أكتوبر بحادثة قتل وقطع رأس معلّم الجغرافيا والتاريخ على يد تلميذه المولود بموسكو من أصولٍ شيشانية والبالغ من العمر 18 عاماً. جاء هذا الشاب (القاتل) إلى فرنسا عام 2011م مع عائلته التي طلبت اللجوء قبلها بثلاث سنوات ، هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها ؛ حيث شهدت فرنسا أحداثاً متكررة من هذا النوع فلقد تعرض شخصين للطعن في سبتمبر الماضي بالقرب من مبنى صحيفة تشارلي هيبدو، وسبقها في 2016م قتل أحد القساوسة داخل الكنيسة.

مرتكب الجريمة الأخيرة كان يبلغ من العمر 6 سنوات حين جاء لفرنسا؛ أي أنه تلقى تعليمه في المؤسسات الفرنسية وتشكّل وعيه بين الفرنسيين خلال فترة نضوجه ، هذا يعني فشل نموذج الاندماج الثقافي في فرنسا مقارنة بالنموذج الأمريكي ، ولكن لماذا ينخرط المسلمون بأمريكا ولا يندمجون بشكل ناجح في فرنسا ؟!

يجدر الذكر أن فرنسا هي أكثر دولة أوروبية اتبعت نموذجاً للاندماج مشابهاً للنموذج الأمريكي ، الذي يصفه المختصون بـ”الانصهار الثقافي”، بدلا عن نموذج صحن السلطة الموجود بإنجلترا فرنسا هي أكثر دولة أوروبية تُصرُّ على أن يقوم المهاجرون بتبنّي القيم المحلية والاندماج في الثقافة الفرنسية مثل الأمريكيين ، ولكن وصل الأمر إلى حظر النقاب بفرنسا في الأماكن العامة بينما يعدُّ ذلك شرخاً لمبادئ الحرية الفردية والممارسة الدينية لدى الأمريكيين ، رغم التشابه بين وصفة الاندماج الفرنسية والأمريكية ؛ إلا أن هنالك اختلافاً بين النموذجين.

أولاً، فرنسا هي دولة علمانية بنصّ قانون دستوري (خلافاً لأمريكا التي لا يحتوي دستورها على كلمة علمانية مطلقاً) ، ومفهوم العلمانية المطبق لديهم يُعد علمانية صارمة مقارنة بالعلمانية الأمريكية.

حيث إن المفهوم الفرنسي للعلمانية لا يقتصر على فصل الدين عن الدولة ؛ بل يطال فصل الدين عن الحياة العامة للأفراد داخل مؤسسات الدولة ! فلو ترشّحت مسلمة لمنصب ما، يجبرها القانون على ألاّ ترتدي أي رموز دينية بما فيها الحجاب ، ولو تم تعيين مسلمة على وظيفة معلمة بالمدارس الحكومية ؛ فإنها مجبرة أن تخلع حجابها أيضاً ،  أي أنّ المنتمي لأي دين يجب عليه أن يجد طريقة ليعيش في مجتمعه الديني بمنعزل عن المجتمع المدني ؛ أي أن يكون له شخصيتان واحده دينية وأخرى مدنية ، هذا النوع من العلمانية يحمل اسم خاص في اللغة الفرنسية وهو “لازيتيه”، وليس له ترجمة دقيقة لا بالعربية ولا حتى بالإنجليزية.

ذكر لي صديقي الأمريكي “جيم”، عندما كنت في زيارة لمنزله في مدينة إرفاين بكاليفورنيا، أن الأمريكيين يرون في فصل الدين عن الدولة حماية للدين من الدولة، بنفس مقدار حماية الشعب من التسلّط الديني! بينما في فرنسا، العلمانية هدفها فقط حماية الشعب من تسلّط الدين ، وبالنسبة للفرنسين الـ”لازيتيه” يعتبر جزءاً أساسياً من الهوية الفرنسية ، وهذا سبب رئيس في ظني لفشل مشروع الاندماج الثقافي في فرنسا.

السبب الثاني هو أن المهاجرين إلى فرنسا غالبيتهم من المغرب العربي، والشعب المغربي لديهم ذاكرة احتلال من قبل الفرنسيين ، ولا أعتقد أن ذاكرة كهذه يمكن أن تُنسى تماماً وستظل حاضرة في أي عملية تفاوض ثقافي.

السبب الثالث في فشل مشروع الدمج تشترك فيه كل الدول الأوروبية ؛ بل جميع دول العالم تقريبا ، تاريخياً، غالبية الدول قامت إمّا على مبدأ عرقي، ديني، لغوي، جغرافيا، أو ثقافة مشتركة. ألمانية قامت على عرق القبائل الجرمانية التي حاول هتلر توحيدها أثناء الحرب العالمية الثانية ، إنجلترا قامت على إحدى تلك القبائل الجرمانية النورمانية التي لغتها الإنجليزية  والشيءنفسه ينطبق على الفرنسيين المتحدّرين من ما يعرفون لدينا بالفرنجة.

أمّا أمريكا فلم تقم على أي من هذه المبادئ التي كانت أساس تكوين الأمم في العالم القديم ، كما أن أمريكا ليس لديها تاريخ استعماري مشابه للأوروبيين ، بل هم أنفسهم كانوا تحت الاستعمار البريطاني ،  الآباء المؤسسون للولايات المتحدة أرادوا عن قصد ألاّ تكون هوية الوطن الجديد قائمة على أصل عرقي، أصل ديني، أو لغوي، أو غيره ، بل أرادوا أن يجمعوا مذاهب وأعراق وثقافات العالم كله لتنصهر وتخرج بجنس خليط من البشر، وعرق جديد اسمه أمريكي ، أو هذا ما يدعيه الأمريكيون على أقل تقدير.

كل ما ذكر يجب ألاّ يستخدم للتقليل من شناعة الجريمة المرتكبة بحق المعلم الفرنسي، ونؤكد كمسلمين رفضنا التام لأعمال العنف التي لا تمد لديننا الحنيف بأي صلة.

خبراليوم

صحيفة سعودية .. رؤيتها : رؤية واضحة .. نحو إعلام هادف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com