شادي حولدار كتاب خبراليوم

إعلان تطوير الأنظمة الوضعية مفخرةٌ وطنية

شادي عيسى حولدار 

أعلن سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في السابع والعشرين من جمادى الثاني عن تطوير منظومة التشريعات المتخصصة التي تشتمل على مشروع نظام الأحوال الشخصية، المعاملات المدنية، نظام الإثبات، والنظام الجزائي للعقوبات التعزيرية. تصب هذه الإصلاحات بشكل مباشر في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 بخلق بيئة جاذبة للاستثمار الخارجي وترفع مستوى جودة الحياة للمواطنين والمقيمين على حد سواء.

بالنسبة لنا نحن معشر الأكاديميين فإن مشاعر التفاؤل والاستبشار تجاه هذا الإعلان ارتبطت -بشكل خاص- بذكر عبارة “استقرار المرجعية النظامية” التي ذكرها سمو سيدي ولي العهد حين تحدث قائلاً، “الإصلاحات ركيزة أساسية لتحقيق مبادئ العدالة التي تفرض وضوح حدود المسؤولية  واستقرار المرجعية النظامية، بما يحد من الفردية في إصدار الأحكام”.

تحقيقاً لهذا الاستقرار سيتم في الفترة القادمة كتابة نصوص أنظمة تفصيلية تحت كل من الأربع نواحي التشريعية التي ذكرت في الإعلان ليكون لدينا في نهاية المطاف دليل مرجعي جامع ومصنف للتشريعات القانونية على شكل مواد وبنود يمكن لأي شخص قراءتها لمعرفة موقفه القانوني بشكل قاطع في أي حالة يتعرض لها، ويكون على دراية بماهية الاجراء الذي سيتم اتباعه قضائياً في حالته، ويكون قادراً على التنبؤ بالحكم القضائي الذي سيصدر بحقه بشكل دقيق محتكماً في ذلك إلى النصوص المكتوبة بدلاً من الاكتفاء بمدونة الأحكام القضائية التي كانت ومازالت رهناً للآراء الفردية وتفسيرات القضاة المتباينة.

أكثر عبارة تترد باستمرار داخل الأوساط الأكاديمية هي السؤال عن “أين هي مراجعك؟!” فلو أنك على سبيل المثال كنت ستقترح طريقة جديدة في التدريس، أو في التقييم، أو مقترح بحثي لمشرفك في الدكتوراه أثناء الابتعاث، أو شرائح عرض لمشروع إنشاء مراكز وأقسام جديدة، أو غيرها فان أول سؤالٍ سيطرحه عليك زملاءك الأكاديميين هو “ماهي مصادرك ؟!”.

لذا فان عبارة ولي العهد السابق ذكرها تحمل أهمية تنموية قصوى قد لا يعي أهميتها -بجانب كبار المستثمرين-فئة أكثر من الأكاديميين بشكل عام، والمتخصصين منهم في القانون بشكل خاص.

تجدر الإشارة إلى أن المملكة بدأت المشوار الصعب والمعقد، والمكلف كذلك، في اصلاح النظام القضائي في عام 2007 حين أطلق المغفور له -بإذن الله- الملك عبد الله بن عبدالعزيز “برنامج الملك عبدالله لإصلاح القضاء” والذي استمرّ العمل عليه من قِبل سمو سيدي ولي العهد والذي قام بالدفع بهذا الملف بقوة وحزم لتحقيق أهداف برنامج التحول الوطني. كجزء من هذا العمل الاصلاحي ،قامتا وزارة العدل وديوان المظالم في 2016بالبدء في اصدار سلسلة منشوره تحتوي نسخ مكتوبة من الأحكام القضائية الصادرة لمختلف القضايا التجارية، والمدنية، والإدارية، والجنائية. تعد هذه الوثائق مرجعاً قيّماً للمحاميين والقضاة للتعلم ومعرفة الكيفية الإجرائية والماهية للأحكام التي سبق إصدارها من قبل المحاكم المختلفة حيث تستخدم كدليل للممارسة القانونية على اعتبارها سوابق احكام قضائية. وفي ذلك تشابه بعض الشيء مع قانون العموم ذو الأصول الإنجليزية، إلاّ أنه لا يستخدم بغرض الترافع في المحاكم على أساسه في بناء القضية كما هو حاصل في الولايات المتحدة مثلاً.

في الخامس من يناير عام 2018 قام وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى بنشر دليل مرجعي للمبادئ والسوابق القضائية يتألف من 2,323 من المبادئ والقرارات التي سبق اتخاذها ،بالإضافة لثمان مجلدات تحوي مصادر أحكام فقهية اُستُمدت منها تلك المبادئ التشريعية. كان هذا العمل نتاج مراجعة دقيقة لأكثر من 20,000 حكم قضائي صادرة خلال الـ 47 سنة الماضية!

اللجنة التي تم تشكيلها في عهد الملك عبدالله مستمرة في العمل اليوم تحت قيادة سمو سيدي ولي العهد ويعملون بشكل دؤوب على جمع وتصنيف التشريعات من مصادر الشريعة الإسلامية وتحويلها إلى نصوص مكتوبة داخل مواد وبنود من شأنها أن تخلق بيئة تشريعية واضحة تؤدي إلى توحيد الأحكام القضائية، حل مشكلة طول أمد التقاضي، ترفع مستوى النزاهة، تعزز كفاءة أداء الأجهزة العدلية، وتضمن تعيين وتدريب قضاة وطاقم اداري يحمل الكفاءات المطلوبة. نسأل الله لهم التوفيق والسداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com