كتاب خبراليوم

الإسلام ونظرية الخيرالعام

التعاون على الخير العام؛ من جوهر دعوة الإسلام كماجاءفي كلمة معالي الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى-وفقه الله ، ألتمس طرف الفكرة من خاتمة الكلمة النفيسة التي ألقاها معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي؛ في “بروكسل”، والتي بعث من خلالها إلى المجتمع العالمي رسائلَ “الصداقة”، و”الأخوة الإنسانية”، وأكد فيها على ضرورة التزام الأقليات المسلمة بالنظام العام في دولهم، ووجوب احترامهم لإرادة مجتمعاتهم، متمثلة في “دساتيرها، وقوانينها، وقراراتها النهائية”، فقد ذيّل معاليه هذه الرسائل برسالة كريمة ودعوة لطيفة إلى الاجتماع على “الخير العام” وذلك حينما أثنى على الحاضرين بحرصهم عليه، والتفافهم حول مبادئ الإسلام الكبرى .

ولقد كانت الرسالة الأخيرة في هذه الكلمة -أعني رسالة الدعوة إلى “الخير العام”- رسالةً مقتضية لما تقدمها من الرسائل، أو هي كالنتيجة لها، فالأخوة الإنسانية التي تربط بين الجميع برباط وحدة الأصل الآدمي، والصداقة الوفية التي تنقِّي الضمائر وتقدِّر الأعذار، واحترام إرادة الآخر الذي يغرس الوئام في القلوب، والالتزام بالنظام العام للدول الذي يسد الذريعة إلى الإفساد، كل ذلك من أهم العوامل التي يتوقف عليها قيام السلام وتحقيق الخير العام في الأنام،

بل لي أن أقول: إنه لا يمكن أن يتحقق الخير العام إلا إذا توفرت له هذه المقومات…
ودعوة الإسلام إلى الالتفاف حول الخير العام دعوة جوهرية عالمية شاملة، أجدها في قوله جل وعز:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}
[آل عمران: 104]

فلفظ الخير الوارد في الآية في قول بعض المفسرين؛ يصدق على كل خير، ومن ثم فإن المسلمين مأمورون أولا بالبحث عن كل خير، ومشاركة غيرهم في ذلك، أينما كان مكان الخير؛ في الشرق أو في الغرب، لأن البحث عن الخير من مبادئ ومقتضيات الدعوة إليه؛ إذ لا تتصور دعوة المسلمين إلى الخير إلا بعد معرفتهم به، ولو أنهم تركوه لأنه عند غيرهم؛ لكان ذلك إخلالا منهم بتكليفهم وموجبات إيمانهم.
ثم إنهم إن وقفوا على الخير؛ أيما كان مصدره منهم أو من غيرهم، فإنهم مكلفون بالأخذ به ومشاركة غيرهم في ذلك، ليكونوا كما وصفهم جل وعز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]
فالأمة الخيِّرة هي الأمة المتلبسة بالخير، كما أنهم مكلفون مع ذلك بمعونة غيرهم للعمل بالخير والانتفاع بأثره، لقوله جل وعز: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]
والبر اسم جامع لكل خير، ولو أنهم أمسكوا عن المشاركة في الخير أو التعاون عليه لكونه من اكتشاف غيرهم؛ لكان ذلك أيضا إخلالا منهم بتكليفهم وموجبات إيمانهم.
وإذا كان المسلمون مكلفين فوق ما سبق بدعوة الناس إلى الخير الذي عرفوه،وأعظمه التوحيد؛ وأخذوا به حتى لا يقف الانتفاع به عندهم، فإن من الواجب عليهم عند ذلك وهم بصدد الدعوة أن يشملوا غير المسلمين بالدعوة إلى الخير، لأن الأمر في الآية أمر عام شامل للبشر جميعا على اختلاف أديانهم وأجناسهم وألوانهم، يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله-في تفسير هذه الآية: “وحذفت مفاعيل يدعون، ويأمرون، وينهون؛ لقصد التعميم، أي يدعون كل أحد”. [التحرير والتنوير 4/40]
ومما سبق يتبين لنا أننا نحن المسلمين مأمورون بالاجتماع مع الآخر حول الخير؛ بحثا، وعملا، وتعاونا، ودعوة، حيثما كان هذا الآخر في الشرق أو في الغرب، وأيما كان أيضا، وأننا مأمورون بالالتزام مع الآخر بمبادئ الأخوة الإنسانية، والصداقة الوفية، وقواعد النظام العام الخاصة بكل قطر، لأن دعوة الإسلام إلى تحقيق الخير العام في الوجود تنطوي على مشروعية كل هذه القيم الجليلة المؤسسة له، وغيرها مما لا يقوم الخير العام إلا به،شكر الله لمعالي الشيخ محمد هذه اللفتة الكريمة،وهذه الرؤية العميقة الدالة على سعةالأفق،وبعدالنظر،بمايخدم الإنسانية جمعاء،وبمايسهل على المسلم التعامل مع غيره بروح العطف واللطف،والإحسان،وهذا مايجعل شعار” الإسلام للجميع”واقعا ملموسا،جعل الله كل مايقدمه هذا النبيل للإسلام في ميزان صالحاته…

بقي أن أقول:
الإسلام للجميع شعار رابطة العالم الإسلامي،ومنهجها التطبيقي في الميدان يحكي ذلك…دام خيرها العام للدنيا…
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

د. محمد بن سرار اليامي
أستاذ الثقافة الإسلامية المساعد بكليةالشريعة بجامعة نجران..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com