(كورونا ) والوجه الآخر

(كورونا ) والوجه الآخر
https://www.kabrday.com/?p=170579
الزيارات: 13914
تعليقات 10

كتبه : عامر فلاته 

على الصعيد النظري، كثيرا ما كنا نقرأ ونسمع عن مبدإ العدالة والمساواة. لكن على الصعيد التاريخي التطبيقي لم يحصل أن طـُـبِّقَ المبدأ بحذافيره على البشرية قاطبة إلا في هذه الفترة العصيبة من خلال توقف الأنشطة الحيوية لحياة البشرية أفرادا ومؤسسات على حد سواء.

فعلى الرغم من كثرة النوازل والحوادث التي عصفت بالمجتمعات في العقد الأخير، إلا أنها لم تعد تعلق في أذهان المرتاحين والآمنين إلا برهات وكأن شيئا لم يحصل، ثم ينصرفون دون إحداث آثار عملية على أرض الواقع تحقق الراحة والأمن للفئات الأخرى مهما بلغ حجم الأذى والضرر.

نعم، هكذا فعل ويفعل جنس البشر، رغم أن الخطاب الرباني في مواطن ينادي ( يا أيها الناس ) ( يا أيها الإنسان ) مخاطبا الجمع كأصحاب جنس واحد من نسل آدم وحواء، تجمعهم مصلحة مشتركة في كوكب واحد ما يحدث في جزء منه حتما سيؤثر على باقي الأجزاء، وعلى الرغم من الدعوة الربانية للبشر بعمارة الأرض (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها )، والتحذير من الإفساد فيها ( ولا تعثوا في الارض مفسدين )، إلا أن بني البشر لديهم رأيا آخر، إذ أصبحت فلسفة المصلحة الإقليمية والقومية المحضة وعدم الإحساس بالآخرين ، دستورا ونشيدا وطنيا على المستوى الدولي .

بلغت القسوة مبلغها، فأصبحت الزعامات الدولية تعقد مؤتمراتها لمناقشة مصالحها الإستراتيجية وخططها التوسعية في الأقاليم الضعيفة، دون أدنى اكتراث لأثر ذلك على الإقليم والسكان بالضبط كحال من يبني منزلا على مستعمرة للنمل.

وبلغت القسوة مبلغها ومكنت الرأسمالية والمصرفية المطلقتان على المقدرات والنعم بشكل فاحش ، حتى سيطرت على الأنظمة المحلية والقرارات السيادية ، لاشك أن مشرّعي النظام العالمي المالي والأمني الحالي، غفلوا أن صفة النجاح بالاستمرار أجدى نفعا من صفة النجاح بالفوز مرة واحدة كما يعتقد الكثيرون.

ولأن النجاح بالاستمرار لا يتحقق إلا بخلق توازن بين عاملين، أوّلهما يتعلّق بالحفاظ على العناصر الضرورية ،  لبقاء الجنس البشري ( أمن، اقتصاد، صحة ) في حالة انتعاش، وثانيهما يرتبط بالحفاظ على ذلك الانتعاش بضمان حد عادل ومقبول من الربحية والمنفعة التي تستمرّ بها جميع مصادر العمل والإنتاج، فيبدو أن النظامين الأمني والمالي العالميين أصبحا عاجزين عن تقديم الدعم لهذين العاملين بالشكل المطلوب، فباتت تتوالى وتتنوع السقطات أمنيا واقتصاديا وصحيا هنا وهناك في عالم أقل ما يوصف به أنه خارج السيطرة.

نزل “كورونا البلاء” ليلقن بعض الدروس والأمثلة التطبيقية البسيطة لعالم سيطر عليه فكر البلداء ، ويُعلن مُنذرًا بأن صراعات ومنافسات الإقصاء دوليا ومحليا، أمنيا واقتصاديا في عالم متشابك المصالح من شأنها تقليص قاعدة ووعاء المستهلكين فتهتز قدرة المنتجين، وأن انخفاض إيرادات المنتجين يفضي إلى تسريح العاملين ورفع نسبة البطالة، والبطالة تؤدي إلى انخفاض الطلب وكساد السلع، فينتهي هذا الكساد بخسارة منشآت الإنتاج ونزول أسعار أسهم الشركات وإفلاسها وإغلاقها وندرة السلع، وندرة السلع تؤدي إلى تضخم الأسعار، وتضخم الأسعار يطيح بسعر العملات، وأخيرا، يصل سعر العملات إلى مستوى الصفر فيعود بالنظام النقدي إلى النظام التبادلي للسلع: السكر بالملح والزيت بالطحين.

تداعيات كورونا فرضت حظرا على البشرية وحصدت البعض الآخر، فتوقفت صفة النجاح بالاستمرار على جميع الأصعدة لسبب واحد يتمثل في نظريات وفلسفات أهملت حماية العناصر الضرورية لبقاء الجنس البشري (أمن، اقتصاد، صحة )، وجُسِّدَ لنا مثال تطبيقيّ على أن استمرار وحياة طرف مرهون باستمرار حياة الآخرين.

خلاصة القول … يبدو أن النظريات الأمنية والاقتصادية السابقة لم تعد الأصلح للبشرية، وأصبحنا بحاجة لنظريات تضع المصلحة الكونية محلّ المصالح الدولية.

التعليقات (١٠) اضف تعليق

  1. ١٠
    زائر

    ابداع في قراءة الوضع الحالي والخلاصة هنا كانت أبدع صح بوحك كلام جميل جدا يحفظك ربي من كل شر

  2. ٩
    زائر

    كلام في الصميم فعلا صح قلمك أيها المحامي المبدع حفظك الله ورعاك

    • ٨
      د. أشرف سالم

      أحسنت يا أستاذ عامر
      بارك الله فيك
      ونسأل الله أن يكون كورونا صيحة تحذبر وصرخة نذير
      ليعيد العدالة التي غابت عن العالم على كافة الأصعدة
      لأنها ضمانة البقاء

  3. ٦
    زائر

    اجدت فأحسنت القول….رحم الله والديك وكل عزيز عليك

  4. ٥
    د. أشرف سالم

    أحسنت يا أستاذ عامر
    بارك الله فيك
    ونسأل الله أن يكون كورونا صيحة تحذبر وصرخة نذير
    ليعيد العدالة التي غابت عن العالم على كافة الأصعدة
    لأنها ضمانة البقاء

    • ٤
      زائر عيسى

      كلامك ممتاز جدا وصحيح واتمنى ان يكون تفكير الساسة ومن يضعون الأنظمة على مستوى العالم يتغير للأفضل ويتعظ ويتعلم مما يراه من تأثير كبير لهذا الفيروس الخطير على الدنيا بأسرها

  5. ٣
    زائر

    كتابتك تمام التمام
    ولكن مع الأسف
    يعود الوضع كما كان

  6. ٢
    زائر

    مشا الله تبارك الله

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com