( كورونا ) بين الحاجة والاعتراف

( كورونا ) بين الحاجة والاعتراف
https://www.kabrday.com/?p=171561
الزيارات: 15058
التعليقات: 0

بقلم / عامر فلاته 

لا شك أنّ اعتراف الدول بقيمة العملات بجانب اتخاذها أداة فعالة للتعامل هما الركيزتان الأساسيتان ، لاستغناء الحكومات والمنشآت والأفراد عن أسلوب تبادل المنافع ، ولا شك أنّ اتفاقية دولية جماعية ضمّت الدول الأكثر فاعلية وتأثيرا في العالم، هي التي أضفت الصفة والاعتراف الدوليين بالدولار الأمريكي ليصبح، إن جاز التعبير، الممثل أو الصورة أو السند المقابل لاحتياطي الذهب.

والسبب أنّ أمريكا آنذاك كانت تمتلك أكبر احتياطي ذهب في العالم بما يقارب ٧٥% من الذهب العالمي ومن حينها، بدأت الدول الأعضاء في تعاملاتها مع هذه الدولة ومع بعضها تعترف بالدولار كعملة قابلة للاستبدال بالذهب في أي لحظة ووسيلة لسداد مدفوعاتها، ثم لحقتها معظم الدول بالاعتراف، سواء كان هذا الاعتراف صريحا أو ضمنيّا عن طريق التعامل به.

من هنا، بدأ تشكيل نظام الصرف الأجنبي وصندوق النقد والبنك الدوليين: الأول جعل الدولار/الذهب مرجعا للدول في تحديد قيمة عملاتها، والثاني رسم السياسات الاقتصادية مع تقديم قروض قصيرة الأجل للدول التي تعاني عجزا في سداد مدفوعاتها بالدولار أمّا الثالث، فقد عَمَدَ إلى تقديم القروض طويلة الأجل ( بالدولار ) للدول من أجل سداد مدفوعات مقابل ما تحصل عليه من منافع وخدمات متعددة انبثقت في عصر الثورة الصناعية والخدماتية، ممّا أدى بمعظم الدول إلى تخزين أرصدة هائلة من الدولار كمقابل للذهب.

في خضم تطوّر وتجذر التعامل بالدولار، تبيّن لاحقا وبخلاف ما كان متوقعا، أنّ راعية هذه العُملة ( أمريكا ) كلما مرت بحالة تضخم وتعاظم قيمة السلع والخدمات مقابل قيمة الدولار، عمدت إلى تغطيته والرفع من شأنه وفاعليته من خلال قبول استبداله بالذهب ليستطيع مقارعة السلع والخدمات ويحط من قيمتها ، وعلى عكس ذلك، فكلما مرت بحالة كساد وتضاؤل وخسارة قيمة السلع والخدمات مقابلَ قيمة الدولار، فرّطت في تغطيته بالذهب وأسرفت في طباعة دولارات مكشوفة ( بدون تغطية ) لإنعاش الاقتصاد وتعويض خساراته، ألا وقد راق لها ذلك في تحميل تكاليفها على أوراق نقدية مُعْتَرَف بها دوليا بدلا من تحميلها على رصيد مخزونها من الذهب … بل ذهبت لأبعد من ذلك وهو تجريم رفض التعامل بالدولار حتى أصبحت قيمته الحقيقية في “الاعتراف والتعامل به” وليست فيما يقابله من الذهب. ومنذئذ، عاد الذهب لمصافي المعادن ولم يعد كالسابق قابلا للتعامل مقابل السلع والخدمات إلا في أضيق الحدود أو لغرض التحويل.

أزمة كورونا إذا ما استمرت وطالت وتسببت في موجة من الكساد العالمي للسلع والخدمات، وإذا ما أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وإذا لم يسارع النظام الاقتصادي العالمي في وضع حلول شاملة عادلة، فَمن المتوقع أن يشهد العالم ثلاثة متغيرات في السياسة المالية الدولية :-

1- حذو الدول حذو أمريكا والصين بطباعة ترليونات من النقد المحلي على المكشوف (بدون تغطية ) والاعتراف به على الأقل محليا وضخه في السوق في سبيل إنعاش الاقتصاد وحالة الكساد والحد من الفقر والبطالة وآثارهما الاجتماعية والأمنية.

2- التعامل خارج المنظومة المالية والمصرفية العالمية من خلال التحلل من الاتفاقيات الجماعية ، وإبرام اتفاقيات ثنائية تحددها المصالح والمنافع المتبادلة على أقل تقدير فيما يخص الأمن والغذاء والصحة كالعلاج مقابل سلعة حيوية.

3- التوقف أو عدم الاعتراف بقروض البنك الدولي في مقابل استحالة استبدال الدولار بالذهب.

من خلال هذه المتغيرات، يجدر الذّكر بأنّ المتغيّر الثاني والثالث يعني انهيار النظام النقدي والمصرفي العالمي، وعلو كعب التبادل بالمنفعة على التبادل بالنقد، والاتفاقيات الثنائية القائمة على المصالح القريبة والمؤكدة على الجماعية القائمة على المصالح البعيدة والمحتملة … والسبب ( فايروس)

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com