دعوة إلى التجرد

دعوة إلى التجرد
https://www.kabrday.com/?p=176847
الزيارات: 2036
التعليقات: 0

بقلم :  سعيد الدوسري 

الحجر المنزلي علمني التجرد والإقلال في المشتريات وتأجيل بعضها والاهتمام بالأساسيات فقط لا غير، وعدم تجديد كل ما هو صالح للاستخدام، وفي أمثالنا الشعبية نردد: “قديمك نديمك لو الجديد أغناك” ولكننا مع الأسف لا نعمل به.

التجرد أو الإقلال أو بالانجليزي: (Minimalism) هو نمط حياة لا يعني البخل أو شراء ملابس رخيصة أو أجهزة رديئة، بل يعني شراء ما أنت في حاجة إليه فقط من منتجات بغرض الاستخدام وليس الاقتناء فقط.

والدعوة إلى التجرد ظاهرة منتشرة في الغرب وفي الشرق الأقصى ونحن كمسلمين أولى بالبعد عن البهرجة والترف والمظاهر الكاذبة ، وشراء كل جديد لنثبت للآخرين أننا أغنياء، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: “من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها”

ومن قصص السلف في التجرد أن عمر بن الخطاب ولى الصحابي سعيد بن عامر رضي الله عنهما على حمص، فلما زار عمر رضي الله عنه حمص اشتكاه أهلها أنه كان لا يخرج إليهم يوما في الشهر فكان رده أنه ليس لديه سوى قميص واحد فإذا غسله لم يستطع الخروج حتى يجف ثم يلبسه، مع أنه كانت تأتيه الأموال فيتصدق بها.

في السابق كان الأبناء يتزوجون ويسكنون مع آبائهم في نفس المنزل، كل ابن له غرفة هو وزوجته، والمطبخ والمجلس مشترك بين الجميع، والأحفاد يعيشون في نفس البيت مع الجد والجدة والأعمام وهكذا، لم يكن الناس يهتمون كثيرا بشراء سرير لكل طفل، أو طاولة للطعام، أو تلفزيون لكل غرفة، ولو نظرت إلى أحياء الرياض القديمة أو غيرها لرأيت بيوتا صغيرة وكان الناس يعيشون فيها بسعادة، وأنا أقصد أوائل البيوت المبنية من البلوك والتي بنيت بدعم من صندوق التنمية العقاري، أما بيوت الطين فكانت أصغر أيضا، ولكن بعدها ظهرت أحياء جديدة واشتراطات جديدة للبناء وبدأت البيوت تكبر وتكبر.

في كثير من الدول الآن تتجه الأسر الصغيرة للسكن في بيوت صغيرة جدا تسمى (Tiny houses) لا تتجاوز مساحتها الستين مترا، وقد تكون محمولة على عجلات، ونحن منازلنا حاليا فيها عدد كبير من الغرف، وبعدد الغرف يوجد حمامات، وملاحق وأحواش ومزروعات وكثير منها بدون فائدة، بل تحتاج إلى نفقات مالية من أجل الصيانة والنظافة وتجديد الأثاث والدهان والقطع الاستهلاكية والإضاءة والتكييف والري والتنسيق وغيرها.

قرر أحد أثرياء الشرق أن يزهد في الحياة، ويتفرغ للتأمل، فارتدى قطعة واحدة من الملابس على خصره، وبنى له كوخا في الغابة، وجلس يتأمل بداخله. ولكن لكثرة الجرذان في الكوخ، وخوفه من أن تأكل قطعة القماش الوحيدة لديه، أحضر قطة صغيرة لتطرد الجرذان، ولكن لأن القطة كانت بحاجة إلى الحليب فقد أحضر بقرة ليأخذ الحليب منها ليطعم القطة، والمشكلة أن البقرة كانت بحاجة إلى رعاية وهو يريد أن يتأمل، ولذلك أحضر عاملا لرعايتها، وبنى له بيتا، بعدها اضطر إلى إحضار خادمة للاهتمام بالبيت، ولأن الخادمة كانت مخطوبة فقد تزوجت وبنى لها ولزوجها بيتا بالجوار، ولأنهما شعرا بالوحدة فقد طلبا منه أن يبني عددا من البيوت لأقاربهما، فصار في الغابة عدد من البيوت كلها مسكونة بجوار كوخ الزاهد، ولنشوء المشكلات بين السكان فقد احتاجوا إلى إنشاء مقر لإدارة المنطقة، وضبط الأمن، وملخص الحكاية أنه بسبب قطة نشأت قرية كاملة وفوت الزاهد على نفسه السكينة التي يحتاجها للتأمل.

التجرد لا يعني البخل، التجرد هو القناعة والتركيز على أساسيات الحياة، والتبرع وإهداء كل ما لا تحتاجه، أو تحتفظ به لأنك ربما تحتاجه يوما ما، التجرد يعني حياة البساطة والإقلال والخفة.
اسأل نفسك عن كل مقتنياتك هل أنا في حاجة لهذا الشيء أم لا؟

الأثاث والأجهزة وأدوات المطبخ وألعاب الأطفال القديمة والأشرطة والأفلام والكتب القديمة كثير منها لا نحتاجه ولا نستخدمه ومع ذلك نحتفظ به ، الهدف من التجرد هو أن نقلل من الاستهلاك غير الضروري قدر الإمكان، ونتوقف عن تكديس الأشياء على الأرفف أو في الخزائن ونتوقف عن استبدال الأشياء الصالحة للعمل لمجرد التجديد.

في السنوات الأخيرة طغت علينا حمى الاستهلاك ولكننا نبرر لأنفسنا ذلك بأننا سنتبرع بما نشتري للجمعيات الخيرية بعد استعمالها، والله سبحانه وتعالى يقول: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون” وليس مما مللتم من استعماله ولم يعد له قيمة تذكر ، إذا كنت تبحث عن السعادة من خلال الشراء فتأكد أن السعادة تنبع من الداخل وليس مما تملكه.

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com