صندوق جدتي

صندوق جدتي
https://www.kabrday.com/?p=189137
الزيارات: 8288
تعليق 13

كتبه : أحمد حسن الملوحي 

لطالما أعتقدت أن جدتي تخبئ كنزاً ثميناً داخل ذلك الصندوق الحديدي المحكم الإغلاق الذي يتوارى تحت سريرها الخشبي المحبل .

طفل صغير شط به الخيال بعيدا .

كثيراً ماراودتني فكرة مغافلتها وفتح الصندوق لمعرفة كم يحوي من القطع الذهبية عددا.

لكنها لاتبرح مكانها داخل تلك الحجرة من الصفيح المبطن بالخشب إلا فيما ندر  ، تستلقي في منتصفها تمد رجليها الواهنتين وهي تتكىء على يدها اليسرى و أمامها دلة اسودت جوانبها من كثر الاستعمال لاتكف عن سكب قهوتها الداكنة في ذلك الفنجان الطيني الكبير.

تعبق الحجرة برائحة القهوة ممتزجة برائحة البخور المنبعث من أسمالها .

نتحلق حولها و نحن نتنظر بشغف ما ستحكيه لنا هذه المرة، أبقى منصتاً للحكاية و أنا أنظر إلى وجهها الذي تملأه التجاعيد تارة ، و تارة أختلس النظر الى ذلك الصندق الذي لايزال يشغل بالي.

كان وجودنا يؤنس وحدتها و يدخل السرور الى نفسها فتحرص دائما على البحث عن حكايات جديدة لتبقينا الى جوارها حتى يثقل النعاس أجفانها .

مالبثت تلك العجوز الطيبة أن رحلت في صمت عن عالمنا وبقيت حجرتها ردحاً من الزمن قبل أن يخر سقفها و تتهاوى أركانها .

مرت سنوات طويلة على رحيلها وكلما أجتررت صورتها من ذاكرتي تسائلت في نفسي .

هل لوكانت لاتزال موجودة بيننا سنستمر بالتردد الدائم على حجرتها أم سنكتفي بزيارات عابرة نلتقط فيها صوراً لدلتها وفنجانها نشارك بها أصدقائنا عبر السناب و الانستقرام أو حتى اتصال هاتفي قصير متى ما كنا في مزاج جيد؟

هل ستبقى حكاياتها تستحوذ على اهتمامنا أم أن مانجده في النتفلكس واخواتها قد سحب البساط من تحتها ؟

كم من كبار السن من الأجداد و الجدات يعيشون بيننا لا نكتشف قيمتهم في حياتنا الا بعد رحيلهم . يقول أمادو همباتي : في أفريقيا عندما يرحل مسن فإن ذلك يكون بمنزلة أحتراق مكتبة أو حديقة بالكامل .

لقد تحققت أمنيتي وفتحت الصندوق أخيرا لكنه لم يكن يحوي أكثر من بضع أساور فضية ، وزجاجات عطر رخيصة و علبة بها بخور شارفت على النفاد ، لقد اكتشفت أن الكنز لم يكن داخل الصندوق بل كان طوال الوقت أمامي خارجه لقد اكتشفت أن الكنز الحقيقي الذي دفن في أعماق الأرض هو جدتي رحمها الله .


التعليقات (١٣) اضف تعليق

  1. ١٣
    زائر

    رائع ومتجدد يا ابو نواف وفقك الله ورعاك

  2. ١٢
    زائر

    لقد اكتشفت أن الكنز الحقيقي الذي دفن في أعماق الأرض هو جدتي رحمها الله . شطر قشعر بدني♥️👌🏻.

  3. ١٠
    زائر

    يفوح من قلمك عبق الزمن الجميل وتحمل هذه القصة بين طياتها توجيه أن نتدارك مافاتنا من عدم اهتمام بهذا الكنز الثمين الذي لازال يتوكأ على عصاء الذكريات الجميلة ٠ نضب لك فكر ابانواف

  4. ٩
    زائر

    ماأجمل العبارات التي تخرج من القلب انها تصل القلوب مباشره بدون مقدمات شكرا اخي احمد الملوحي على طرحك الجميل وعباراتك المؤثره وصدقت الاجداد قد لانشعر بنعمة بوجودهم الا اذا رحلوا

    • ٦
      زائر

      رائحة قهوة وبخور تكفي لتحريك المشاعر والعودة بما الى اجمل الايام وذكريات لن تنسى للة ذرك

  5. ٥
    زائر

    رائع ومبدع يابو نواف الله يسعدك ويوفقك

  6. ٤
    زائر

    في المقال عبره ويحز في انفسنا تقصرينا مع كثير من احبابنا الذين افتقدناهم وكانت النيه والرغبه في وصلهم ولاكن تتأجل مع تقديم اشغلنا على وصل احبابنا حتى تأتي لحظة الوداع التي لم نتوقعها وتاخذنا الحسرات
    وليتنا نهتم بهذا الجانب ( صلة الرحم ) بما تبقى من حياتنا .
    مقال جميل يحمل رساله هادئه لمن يتعظ

    • ٣
      زائر

      شكرا اخ احمد علي هذا المقال الشيق المشروق إلى الامام

  7. ٢
    زائر

    شكرا اخ ابوحسن مقال شيق للغايه إلى الامام

  8. ١
    زائر

    سلمكم الله جميعاً أحبتي و أثمن دعمكم لي جزاكم الله كل خير

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com