د.أشرف سالمكتاب خبراليوم

الدكتور هَزِّلـِّي الدبوزة

د . أشرف سالم 

 قرأت قصة طريفة عن ممثلة مصرية تحكي عن أول مرة ذهبت فيها للتصوير ببيروت؛ حيثُ توجهت إلى موقع التصوير في الصباح لتجد المنتج اللبناني مُرحبًا بها بحفاوة ؛ وبعد أن ألقى عليها تحية الصباح سألها:  ” اتروأتي يا أستاذة ؟” ؛ السيدة استغربت السؤال فنظرت إليه نظرة استنكار قائلة “عفوًا !؟ ” ؛ فقال لها : “عم بسألِك إذا روؤوكي بالفندق قبل ما تيجي عاللوكيشن”؛ وهنا استشاط غضبُها فصاحت بوجهه: “ما تحسن ملافظك يا أستاذ .. هو فيه إيه !؟”، وهنا استدرك الأمرَ أحدُ زملائها المصريين الذي كان حاضرًا للموقف فقال لها : “يا أستاذة ده ما يقصدش حاجة وحشة أصل الترويئة عندهم هنا في لبنان يعني وجبة الفطار ..

ولو كنتي في العراق ولا الكويت كانوا هيسألوكي هل اتريقتي وهينطقوها زي الصعايدة عندنا؛ يعني يقصدوا نفس المعنى هل فكيتي ريقك؟”؛ ثم انتقل الفنان المصري لمخاطبة المنتج اللبناني الذي كان مندهشًا من رد فعل الفنانة؛ فقال له: “معلِش يا أستاذ أصل الروقان ده عندنا معناه الانبساط والفرفشة وله إيحاءات”، وهنا غرق ثلاثتهم في موجة من الضحك.

ذكرتني هذه الطُرفة بقصة حدثت معي شخصيًّا؛ كنا بمهرجان ثقافي بدولة غير عربية بمشاركة من وفود من عدة دول العربية؛ وكان الوفد التونسي الشقيق يتميز بحضور نسوي ملموس، في آواخر أيام المهرجان وكما هي العادة في مثل هذه الفعاليات يتم منح فرصة للمشاركين للتسوق وأخذ تذكارات من البلد؛ ولحسن حظنا كان فندقنا بمركز المدينة وتحيط به الأسواق؛ لذا كان التسوق على الأقدام وبصورة فردية أو مجموعات صغيرة.

ساقتني ساقاي إلى محل يبيع المكسرات والفواكه المجففة فراق لي التبضع منه بكميات صغيرة وعند المحاسبة وجدتُ سيدة تونسية فاضلة من إحدى زميلات المؤتمر ، وقد اشترت ما شاء الله كميات ( كعادة النساء )؛ فلما رأيت أنَّ معها مشتريات كثيرة وهي وحدها؛ عرضت عليها أنا أساعدها بحمل بعض الأغراض فالفندق قريب؛ وبعد تمنُّعٍ منها وإلحاحٍ مني وغمرتني بعبارات (يعيّشك ويفضلك)؛ أشارت لي إلى قارورة بحجم الجالون مازلت أجهل محتواها؛ وربما كان نوع من الدِبس الذي يستخدمه النساء بصناعة الحلوى؛ وكانت السيدة المهذبة ممتنة جدًا لهذا الفعل البسيط.

وصلنا بأغراضنا إلى الفندق؛ وفي بهوه وجدنا (كالعادة في الرحلات) تجمعات المتسوقات يعرضن على بعضهن مشترياتهن؛ ويتناقشن في مقارنة الأسعار والمواصفات؛ وبمجرد اقترابنا من أول مجموعة وجدْتُ السيدةَ المصاحبةَ لي تشير إليَّ مبتسمةً وتقول لهم: “الدكتور هَزِّلـِّي الدبوزة”؛ وإذا بالأخوات الكريمات يبتسمن ويصحن “ما شاء الله”؛ ثم نقترب من المجموعة الثانية فتقول لهن  “الدكتور هَزِّلـِّي الدبوزة”؛ ويتكرر الثناء والامتنان وأنا مندهش لا أفهمُ شيئًا؛ ثم المجموعة الثالثة . وهكذا.

فلما تكررت منها مقولة : “الدكتور هَزِّلـِّي الدبوزة”؛ هممتُ بأن أدفع عن نفسي التهمة وأقول لهن “والله العظيم ما عملت حاجة !”؛ ولكن صديق عزيز ليبي كان جالسًا وقرأ في عينيّ نظرات الدهشة والاستغراب؛ فشدني من ذراعي قائلا: “يا دكتور عند المغاربيين هَزّ يعني حَمَلَ مثل ما تقولون أنتم شال ..

والدبوزة هي القارورة لما تكون كبيرة شوي .. والناس مبسوطين منك وممتنين من تصرفك النبيل بحق رفيقتهن”، فقلتُ له: “جزاك اللهُ خيرًا .. أرحتَ بالي ورسمتَ الابتسامةَ على وجهي.

أروي هذه القصة؛ بمناسبة الدعوات الجديدة القديمة التي تطلعُ علينا كل فترة مطالبةً بإحلال العامية محل الفصحى؛ فأعداءُ لغة القرآن يؤلمهم اتحاد العرب على لسان واحد؛ ويريدون أن يجعلوا من استخدام اللهجات المحلية؛ وسيلة نحو المزيد للعرب من التفريق والتمزيق.

تعليق واحد

  1. امتعتنا كالعادة يادكتور اشرف بقصصك الطريفة وفعلا كما اشرت سعادتك ان عدم معرفة بعض الفاظ الكلام وطريقة الحوار في البلاد الواحد لما يكون مش عارف بيندهش فعلا بس الحمد لله ربنا اكرمك بالشخص الليبي الذي وضح لك المعني الحقيقي للكلمة اللي حضرتك معرفتهاش ووضح لك الامور وارتحت
    زي السيدة المصرية اللي معرفتش لفظ الفطار باللبناني ولما فهمت سارت تضحك
    امتعنا يادكتور اشرف ونتمني ان دائما تمتعنا بقصصك الطريفة والجميلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com