د.أشرف سالمكتاب خبراليوم

رُبَّ كَلمَةِ تَقُولُ لِصاحِبِها دَعنِي

د . أشرف سالم 

كنتُ شابًا في أوائل العشرينات من عمري؛ لم أكن حينها قد ركبتُ طائرةً قطُّ أو حتى دخلتُ مطارًا، وكان لنا قريبٌ تاجر ومستورد ميسور الحال؛ وكان خلوقًا كريمًا سخيًا يلجأ إليه أفراد العائلة وخاصة الشباب منهم لحل مشاكلهم المالية فلا يقصر بالدعم أو بالمشورة؛ وكان صاحبُ فَضْلٍ عليَّ شخصيًا.

زرتُ هذا الرجل الفاضل ذاتَ يومٍ بمكتبه فوجدتُ لديه شابًا لا أعرفه يكبرني في العمر بقليل؛ ومن خلال حوارهما عرفت أن قريبي توسط عن طريق علاقاته في إيجاد فرصة عمل لهذا الشاب في إحدى دول الخليج؛ وأن زيارته هذه كانت للشكر والامتنان والاستفسار عن بعض الإجراءات المتعلقة بالسفر، وكان مضيفنا كعادته واسع الصدر شرح له بالتفصيل كل ما يزيل الغموض والقلق فيما سأل عنه، وفي الختام سأله الشاب عما إذا كان يستطيع أنْ يسديَ له أيَّ خدمة؛ فأخبره مضيفنا التاجر أن صديقًا أو شريكًا له في البلد المسافر إليها الشاب طلب منه نبتةً أو زهرة مصرية يريد أن يزرعها بحديقته؛ وأنه (أي مضيفنا) سيجهز له (الشتلة الزراعية) بشكل مناسب؛ ليحملها معه إلى هذا التاجر الخليجي؛ وأن هذه الخطوة ستكون أيضًا إيجابية لصالح هذا الشاب للتعرف على مواطن من أهل البلاد مما سيسهم مستقبلاً في إسداء أي خدمة يحتاج إليها.

كنت طوال الوقت صامتًا ومراقبًا للحوار؛ إلا أنني في هذه اللحظة بادرتُ قائلاً: “ولكن حسب معلوماتي أن النباتات الحية تُعامل في المطارات معاملة الحيوانات الحية؛ أي أن الجمارك تحتجزها في الحجر الصحي حيث تخضع لفحوص الخلو من الآفات والمطابقة لجداول البيئة”؛ وبمجرد أن ذكرتُ هذه العبارة وجدتُ الشاب يلتفت لي بكليته وقد بدت على وجهه علامات الارتباك؛ ثم طلب مني أن أعيد عليه المعلومة مع التفصيل.

بات واضحًا أن عبارتي زرعت في نفس الشاب شعورًا بعدم الارتياح؛ كما زرعت في نفس قريبي استياءً حاول إخفاءه، ثم ما لبث الشاب أن هم بالانصراف مع وعدٍ لمضيفنا بالتواصل قبل السفر.

غادر الشاب وسادت لحظاتٌ من الصمت ما لبث أن قطعها قريبنا بقوله: أتوقع أن الأخ لن يتواصل معي لأخذ الشتلة؛ وأتمنى أن يخيبَ اللهُ ظني، أمَّا أنا فشعرتُ بالخجل وسارعتُ بالانصراف وكلي فضولٌ لمعرفة ما ستؤول إليه الأمور، حتى جمعتني مناسبة عائلية بالرجل الفاضل فسألتُه على استحياء فابتسم قائلاً بعد أن وصل الأخ العزيز إلى الدولة المسافر إليها؛ اتصل بي ليشكرني ويطمئنني على أحواله؛ ويعتذرَ لي بأن ظروفَ السفرِ حالت بينه وبين التواصلِ معي قبل المغادرة.

لا أعرف حتى الآن ما الدافع أو المبرر أو المصلحة أو الجدوى أو الفائدة؟؛ التي جعلتني أتفوه بما قلتُ؛ ولا أجدُ تفسيرًا لهذا التطفل و(اللقافة) إلا فقط شهوة الكلام والرغبة في التعالم وإبراز عضلاتي المعرفية؛ ولو استعرضتُ مسيرةَ حياتي فيقينًا لنْ أجدَ أنَّ هذه السقطة هي الوحيدة من هذا النوع  بل ربما سأجدني وقعتُ فيها مرارًا وتكرارًا؛ كما يقع فيها الكثيرون سواءً بحسن نية أو بسوئها  فتترتبُ عليها أسوأُ الآثارِ السلبية وكم أفسدت العلاقات الطيبة، وصَدَقَ المثلُ السائر “رُبَّ كَلمَةِ تَقُولُ لِصاحِبِها دَعنِي” ، وأفضلُ من المثلِ حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ».

تعليق واحد

  1. صدق رسول الله صل الله عليه وعلي اله وصحبه وسلم
    نشكرك دكتور اشرف علي هذا المقال وعلي اعترافك بهذه السقطة الغير مقصوده لكن كويس ان حضرتك نوهت لها بردو من باب المعرفة بالرغم من ان الشاب والرجل الفاضل استاؤا من ملحوظتك ولكن الهدف كان نبيل
    احسنت النشر يادكتور اشرف وجزاك الله كل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com