آخر الآخبار
د.أشرف سالمكتاب خبراليوم

عقلية المطبات الجوية

مُنذ سنوات قرأتُ مقالاً لكاتبٍ خليجي مرموق؛ يحكي فيه عن قصةٍ شخصية وقعت له في إحدى رحلات الطيران الطويلة، حيث أضاءت إشارات لزوم المقاعد وربط الأحزمة؛ وخاطب الكابتن الركاب ليشعرهم بأن الطائرة تدخل إلى مرحلة مطبات جوية تستلزم السكون والحذر.

يبدو أن فترة هذه المطبات طالت؛ واحتاج كاتبُنا لكوب شاي دافئ؛ انتهز فرصة مرور مضيفة (عربية) كانت تتفقد أحزمة الركاب؛ فطلب منها أن تجلب له بعض الشاي؛ ولكنها ابتسمت واعتذرت وقالت له لا نستطيع تقديم مشروبات ساخنة أثناء المطبات الجوية؛ لأنها ستكون عرضة للانسكاب والتسبب في مخاطر؛ ولكن اصبر حتى تمر المطبات.

مضى الوقت ولا تزال الإشارة التحذيرية مضاءة؛ فأشار إليها من بعيدٍ لتذكيرها؛ وفي هذه المرة لم تأتِ إليه بابتسامة بل بوجهٍ صارم ولهجةٍ حازمة وقالت له: يا سيدي .. هذه تعليمات لا أستطيع مخالفتها؛ ثم أشاحت بوجهها وانصرفت.

وبعدها بقليل مرت بهم مضيفة أخرى لتفقد الأحزمة ولكنها هذه المرة كانت (أجنبية)؛ شجعته ابتسامتها البشوشة على أن يهمس لها باستحياء أنه يطلب كوبًا من الشاي؛ فردت عليه بكلمة واحدة وبصوتٍ خفيض: “سأحاول”؛ وفي غضون دقائق رجعت إليه حاملةً كوبًا من الشاي؛ وهي تعتذر له أن الكوبَ وَرَقـِيٌّ تفاديًا لاحتمالات المخاطر؛ وأنها لم تملأه كاملاً احتياطًا لحالة المطبات؛ فكانت بالنسبة له أجمل رشفات الشاي.

وإذا كان كاتبنا انزعج من أمرٍ طارئٍ لا يتكرر كثيرًا في حياتنا؛ فما بالكم ونحن نعيش عقلية المطبات الجوية في حياتنا اليومية؛ نقابلها في الدوائر الحكومية عندما يتعسف الموظفُ متسلحًا باللوائح ومتذرعًا بالنظام ومقاومًا لأي مرونة تسهم في التخفيف على المراجع وحل مشكلته ولو بصورة جزئية بدلاً من تعقيدها.

والأعجب أن نجدَ تلك العقليات المتعسفة في مؤسسات خاصة كالبنوك والمحال التجارية وشركات الاتصالات؛ وما أكثر القصص والنماذج التي تُثيرُ الأسى وتؤكدُ أنّ البيروقراطية لا تخلقُ موظفًا قويًا؛ بل تُكرس الجـُبنَ والغباء؛ وتسهم في تعويق مسيرة النماء.

وإحقاقًا للحق فقد شهدت المملكة تطورًا ملموسًا في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة التي توسعت فيها الحكومة الإلكترونية بقفزاتٍ وثابة تستحقُ الشكرَ والفخر؛ ولكننا نتكلم عن بلداننا العربية عمومًا؛ التي أصبحت (إلا من رحم ربي) نماذج مؤسفةً للتعسف الإداري والروتين البيروقراطي؛ وهي للأسف من أهم معوقات النهضة التنموية التي نتطلعُ إليها للانعتاق من نطاق “العالم الثالث”.

عقلية المطبات الجوية

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. احسنت🌹يادكتور اشرف بهذه الملحوظة والمعلومة التي اثرتها في مقالك وفقك الله لكل خير وكل جديد دكتورنا الفاضل

  2. صدقت يادكتور اشرف في معو قات كتير فعلا في هذه المؤسسات البيروقراطية تحت شعار اللوايح والقوانين
    والحمد لله علي التطور الملموس الذي حدث في السنوات الاخيرة
    احسنت يادكتور لما لفت الينا النظر اليه وجزاكم الله كل خير

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: