آخر الآخبار
أحمد الملوحيكتاب خبراليوم

على أعتاب المظيلف !

هناك في قاع الذاكرة ترقد صور لأحداث شكلت فارقا في حياتنا طمرت تحت مستجدات الحياة وأحداثها المتلاحقة لكنها ما تلبث أن تنز من مسامها وتطفو على سطحها عندما تحل ذكراهم أو نعيد تجميع صورهم المتشظية في ذات المكان أو على بعد بضعة أمتار منه ، و في ذات الوقت أو قريبا منه وقع حدثان حفرا في قعر جمجمتى وطبعا في تجاويف قلبي .

لطالما سافرت روحي ليال عديدة على أكتاف الغيم الى ذلك المكان أسمع عويل النساء وحوقلة الرجال و ضجيج السيارات أقف بين بقعتي دم تلطخ بهما أديم الطريق لشخصين أحببتهما كثيرا .

كانت الليلة الأولى قبل خمسة وعشرين عاما ، السيارة تمخر عباب الطريق والشمس تلملم آخر خيوطها المنثورة على وجهه البسيطة و الآذان مصغية تنتظر أن يصدح اذان المغرب ليبلل الصائمون شفاههم اليابسة بجرعات ماء قبل التوجه للصلاة .

الأفق يكتسي لونا شاحبا حزينا و السيارة توشك أن تصل المنزل حيث صبية صغار ينتظرون وصول أبيهم ليتناول معهم إفطار رمضان كما اعتادوا لكن القدر يخبئ غير ذلك حيث توقفت السيارة على أعتاب المظيلف لتكون أخر محطة له وسرعان ما غادرت روحه الى بارئها وبقي جسده داخل السيارة المهشمة .

لم يكد ذلك الجسد ليحمل الى منزله ليغسل ويلقي عليه أحبته النظرة الأخيرة حتى كان المطر ينهمر بغزارة وكأن السماء تكفلت بغسل جسده المسجى بين أيدي مغسليه في فناء المنزل أما أقاربه المتجمعين أمام المنزل فقد امتزجت دموعهم مع ماء المطر المنهمر فوق رؤوسهم فكانت ليلة أصاب البلل فيها كل شيء .

لم يكن شخصا عادياً في طفولتي و في ريعان شبابي شاهدت بأم عيني بره بوالديه و صلته لأرحامه تجده في الأفراح مشاركا وكان الفرح لأحد أبناءه و في الأحزان مواسياً وكأن الميت من أهله حتى أجمع الكبار و الصغار رحالا و نساءاً على حبه لقد رأيت الدموع تترقرق في أعين أناس لم يكن لهم به صلة قرابة ولا تربطهم به صداقه عند بلوغ الخبر أسماعهم .

لقد كان رحمه الله سخي اليد كريم الخلق دائم التبسم حنونا عطوفا قضى سنوات طويلة معلما ثم وكيلا في مدرسة بدر بالمظيلف ، رحل خالي محمد رحمه الله في الرابع و العشرين من شهر رمضان لعام ١٤١٩هـ في حادث مروري وقد لقي ربه صائما .

ولقد رثاه أبي رحمه الله بقصيدة نبطية قال فيها :

حاولت يا محمد اخبي دموعي
يوم جا خبر يا ليتنا ما سمعناه

و تفجرت نيران داخل ضلوعي
من شدة الصدمة بغالي فقدناه

اللي لحق الجار بالطيب راعي
الله يجعل جنة الخلد مأواه

في كل يوم يمر هديت روعي
أقول في نفسي يجي يوم نلقاه

وابكي بدون إحساس وابكي بطوعي
ومن لامني ما يعرف اللي عرفناه

الله راعي الفضل ما هو قطوعي
يجبر قلوب تكسرت عقب فرقاه

الليلة الثانية جرت أحدثها بعد الليلة الأولى بأربعة عشر عاما وفيها وقف في نفس المكان والشمس تندو من المغيب رجل الأمن مرتديا زيه العسكري ليؤدي الواجب الملقى على عاتقه ولا يعلم أن شاحنة أقبلت كوحش كاسر فاتح فاه توشك أن تصل الى أعتاب المظيلف حيث يقف لتبتلع جسده و يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت كومة الحديد تلك .

رحل وترك صبية صغار يتساءلون والحيرة تملأ أعينهم عن أبيهم لماذا لم يعد بعد ؟

في كل زاوية من زوايا منزل العائلة لي معه ذكرى جميلة في طفولتنا و في شبابنا و حتى عندما استقل كل منا بذاته كان منزله لا يبعد عن منزلي سوى بضعة أمتار لذلك كان ارتباطنا وثيقا وعندما رحل ترك في حياتي فراغا كبيرا وجرحاً عميقاً ؟

رحل شقيقي محمد في الرابع و العشرين من رجب لعام ١٤٣٣ هـ وهو يؤدي واجبه ، رحم الله خالي وشقيقي رحمة و اسعه و جمعني وأياكم بهما في مستقر رحمته ورحم الله أموات المسلمين جميعًا.

على أعتاب المظيلف !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: