آخر الآخبار
د.أشرف سالمكتاب خبراليوم

ذكريات مع الاثنينية وصاحبها ..

رغم توقف فعاليات صالون الاثنينية الثقافي بجدة لعدة سنوات ؛ إلا أن نبأ وفاة مؤسسه الوجيه الشيخ “عبد المقصود خوجة” وإن لم يفاجئنا فقد أفجعنا؛ فقد كان رحمه الله علمًا له أيادٍ بيضاء على الثقافة والعلم والأدب بالمملكة والوطن العربي؛ وبذل النفيس لرعاية الثقافة والمبدعين بمختلف الصور  نسأل الله أن يجزيه عنها خير الجزاء.

فَجَّرَت وفاة الشيخ عبد المقصود منجم الذكريات الشخصية مع الاثنينية؛ التي سمعتً عنها مبكرًا من خلال حكايات اثنين من أساتذتي أثناء الدراسات العليا بمكة المكرمة؛ فقد كان الشاعران محمد بدر الدين وضياء الدين الصابوني رحمهما الله من الحضور المنتظمين لفعالياتها وكثيرًا ما كانا يرويان لنا بعض وقائعها؛ ولكن في الحقيقة كان حديثهما عن ألقها ورونقها يحدث في النفس مهابة؛ وكأنني كطالب علمٍ لست مؤهلاً لحضورها.

ومرت السنوات وانتقلت للعمل بجدة؛ ثم علمت باستضافة وتكريم الاثنينية للداعية الكبير الدكتور عبد الله المصلح عندما كان أمينًا عامًا للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة؛ كان د. عبد الله المصلح رئيسي في العمل؛ ولكن العلاقة بيني وبينه كانت علاقة الوالد بالابن والأستاذ بالتلميذ، لذا حرصت على حضور أمسية تكريمه بالاثنينية بتاريخ 13/08/1417هـ الموافق 23/12/1996م، ومنذ هذا التاريخ لم أنقطع عن حضور أمسيات الاثنينية إلا إذا كنت مسافرًا.

راقت لي تمامًا وتوافقت مع نهمي في تنويع مصادر ومجالات الثقافة وتقديري للشخصيات الإيجابية المؤثرة في مجتمعاتها، ففي مقالٍ نشره لي ملحق الأربعاء الثقافي بجريدة المدينة عام 1421 هـ بعنوان “الاثنينية .. معانٍ جديدة للتكريم والاحتفاء”؛ ذكرتُ أن “الاثنينية” كانت بالنسبة لي جامعةً مفتوحة نظرًا لتنوع ضيوفها المنتخبين من العلماء والأدباء والأمراء والأكاديميين والشعراء والوزراء والإعلاميين، مما انعكس على تنوع الموضوعات وألوان الثقافة، وأذكر هنا أمرًا طالما كنت أحدث أصدقائي به أنني رغم كوني مصريًا فإن هناك شخصيات مصرية مرموقة ما كان لي أن ألتقيها .. لولا أنني قابلتهم في “الاثنينية”؛ منهم: د. مصطفى محمود أ. أنيس منصور د. زغلول النجار د. محمد سليم العوا أ. فهمي هويدي .. وغيرهم الكثير.

كان الشيخ رحمه الله على مهابته وثرائه بشوشًا متواضعًا يحتفي بأضيافه جميعًا؛ ويُظهر التقدير للكبير والصغير؛ وفي إحدى الأمسيات قال: لقد بدأ غزو التكنولوجيا يسلب منا الأجيال الشابة؛ وأنا أخشى أن تحدث فجوة بين الأجيال ونحن كنا نتوارث القيم عبر تلاقينا مع الآباء والأجداد؛ فهاتوا أبناءكم أحضروهم معكم ليتعرفوا على هذه القامات الثقافية التي أسهمت في البناء الثقافي لبلداننا، وعقب هذه المقولة كنت أحرص على حضور ابني معي؛ وكنت آخذه ليصافح الشيخ وأقول له استجبنا لدعوتك؛ فيحتفي به ويبشُّ له ويلاطفه.

كان أستاذي الإعلامي الكبير “د. عبد القادر طاش” رحمه من رواد الاثنينية ؛ وذات ليلةٍ قابلني هناك  وكنتُ حينها محررًا متعاونًا في صحيفة المدينة تحت إشرافه؛ فكلفني في لحظتها بتغطية فعاليات أمسياتها وإعداد تقارير صحفية مصورة عنها؛ فكنت أغطيهًا تقريرًا وتصويرًا؛ وما زلتُ محتفظًا بما نشر من تقاريري وبمئات الصور التي التقطتُها لفعاليات “الاثنينية”.

في الأمسية الرائعة لاحتفال “الاثنينية” بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، تشرفتُ بإلقاء قصيدة قلتُ فيها:

جئنا نسوق الورد والريحانا = نصغي للحن شنف الآذانا
يا ربع قرن من فؤادي تحية = صاغت حروفاً هيجت أشجانا
نثرت عليك الفضلَ اثنينيةٌ = نزجي لها التقدير والعرفانا
أمسية للحب صارت معلما = أضحت على درب الوفا عنوانا
ساقت ضياء الحب نحو أحبة = بعطائهم قد شرفوا الأوطانا
كم من كريمٍ كرمته كريمة = بالأمس عانى الهجر والنسيانا
أرباب آداب وعلم نافع = ورجال دين عظموا الديانا
وجدوا بمحفلكم كريم عناية = وبمنتداكم أصبحوا الفرسانا
لولا الرعاية من كرام المجتبى = لقت الثقافة ذلة وهوانا
هذا الوفي ابن الأكارم خوجةٌ = بوفائه قد جاوز الأزمانا
أهدى إلى التاريخ مجد عصابة = لولاه ضاع كأنَّه ما كانا
نفض الغبار عن اللآلئ فازدهت = وسقى اليباب وفجر البركانا
فجزاه ربي خير ما جازى امرأً = أحيا الوفاء وناهض النكرانا
لك من سويداء القلوب تحية = يا محسنا كم كرم الإنسانا
ثم الصلاة على النبي محمد = من عطرت أنفاسُه الأكوانا

ذكريات مع الاثنينية وصاحبها ..

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. رحم الله الشيخ عبدالمقصود، فقد ترك أثراً يغبطه عليه الكثير، وسيتوارثه جيلاً بعد جيل.

    أما أنتم يا دكتور أشرف، فلا زالت ذكراكم عالقة في الأذهان، ونصائحكم لا أنساها مهما طال الزمان…

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
%d مدونون معجبون بهذه: