الرجولة ودلالات المفهوم

الرجولة ودلالات المفهوم
https://www.kabrday.com/?p=41465
الزيارات: 6818
التعليقات: 0

 يلاحظ أن مفهوم الرجولة في مجتمعنا يشوبه الكثير من الغموض عند شريحة كبيرة من المجتمع خاصة من جيل الشباب ، وانحراف المفهوم عن مقاصده الصحيحة له عدة أسباب تراكمية لها امتدادات تاريخية.

فتعريف هذا المفهوم قبل الإسلام يختلف كلية عن تعريفه بعد الإسلام وإن وجد بعض التوافق في بعض المفاهيم ذات القيمة التاريخية والتي حث الإسلام عليها واعتبرها من القيم الأخلاقية إلا أن العمق الدلالي للمفهوم يختلف جوهرياً عن التعريف الجاهلي.

وطغيان المفهوم الجاهلي للرجولة في عصرنا الحاضر له ما يشابهه في العصور التي تلت عصر الرسالة المحمدية ،حيث نشبت الخلافات والتكتلات العنصرية  وامتدت لسنوات وظهرت بوادر الحمية الجاهلية للقبيلة والنسب على حساب الدين ومات تحت هذه الرايات خلق كثير امتثالاً لقول الشاعر الجاهلي:

                                                        وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وان ترشد غزية أرشد

فالعرب كانوا حديثي عهد بإسلام ولازالت المفاهيم الجاهلية تسيطر على عقول الكثير ولم تكن تحتاج إلا إلى من يثيرها وينفض الغبار عنها لتعود جذعه.

وبما أن جزيرة العرب عاشت حقبة من الزمن في ظلام دامس قبل توحيد الجزيرة العربية وكان الحكم فيها للأقوى على حساب الأضعف ,وظلت في صراعات جاهلية وتعصبات قبلية تجتر ثارات الماضي وبطولاته الزائفة في كثير من الأحيان ، إلى أن قيض الله لها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله .فاستتب الأمن وعم الرخاء وانتقل الناس من البادية إلى المدينة . إلا أن رسوخ المفهوم الجاهلي للرجولة جعله يظهر لكن في أنماط (محدثه) بطريقة تجعلها لا تخالف القانون شكلياً وإن بدت في صور في ظاهرها تمثل قيماً أخلاقية مقبولة لكن في جوهرها عبارة عن تعصبات عنصرية يصاحبها سلوكيات غير مقبولة تدل على انعكاس كثير من المفاهيم في عقول بعض الشباب ، والأمثلة على سيطرة هذه المفاهيم الجاهلية في العصر الحديث كثيرة إلا أنني سأورد البعض منها اختصاراً للمساحة والوقت منها:

أن يترك أحد الشباب والديه دون خدمة ثم يذهب مع شلته لاستقبال مجموعة من الشباب ليستعرض بلاغته في قوانين الرجولة فيتقدم الصفوف ويتغنى بأمجاد القبيلة ومواقفها وطبعاً هذا من أعلى رموز الرجولة في مخيلته ,أما ترك والده أو والدته دون خدمه إذا تعارض مع وجود استقبالات ( هياط ) فليس من رموز الرجولة لأنه لا يوجد من يشاهده وهو يخدم والديه ولذلك كثر البر بالوالدين مع انتشار السناب شات والواتساب !

شاب آخر يتبرع بسيارته لزميله بمناسبة زواجه ووالدته في أمس الحاجة إلى مبلغ خمسمائة ريال لتراجع طبيب العيون ودائماً يتعذر بضيق ذات اليد ، وآخر يقطع الأمصار والمسافات ليرفد زميل له لم تتجاوز زمالته له بضع أشهر وأخته لابتعد عن مقر إقامته مسافة مائة كيلو ولم يزرها منذ ثلاث سنوات.

ورابع يذبح لضيفه الذي لا يعرفه ناقة وعدد من الخرفان لأن هذا الضيف تنازل عن ابن عمه الذي قتل ابنه بسبب اختلافهم على تهريب مخدرات ,ونصف محلات الحي يطالبون هذا (المهايطي) بمبالغ مالية لم يسددها منذ سنوات.

وخامس في المرحلة الثانوية يمتشق رشاشه ويدخل إلى مدرسته غاضباً لأن أحد زملاءه ناداه باسم أمه فثارت غيرته الجاهلية وكاد أن يتسبب في موت المدير والمرشد الطلابي.

ومدير دائرة يضرب بقوانين وأنظمة المؤسسة التي يعمل بها عرض الحائط ويوظف نصف أفراد قبيلته لأن العرف الاجتماعي يمجد ويعلي من مكانة الشخص الذي (يفزع) لجماعته حتى وإن كان ذلك على حساب العدل والأمانة ومصلحة الوطن.

ورجل مرور يحرر مخالفة ثم يلغيها بعد تحرك الواسطة حتى لو أدى ذلك إلى تضرر مواطن آخر بنفس المخالفة لأن إلغائها يتطلب تغيير احد أرقام السجل المدني لتسقط عن صاحب الواسطة لكن لا بأس أن تنتقل إلى شخص آخر، فأهم ما يشغل بال هذا المسؤول هو أن يبيض وجهه أمام جماعته أو زملاءه ولذلك سمعنا كثيراً عن شكاوى بعض المواطنين من مخالفات لم يرتكبوها وبعضهم قال أن هذه المخالفة ارتكبت في مكان بعيد جداً عن مكان إقامته  ومهندس بلدية يتجاوز النظام بإيصال الطريق المعبد إلى منازل واستراحات معارفه وزملاءه ومئات المواطنين ينتظرون في قوائم طويلة منذ سنوات.

كل هذه الأمثلة وغيرها الكثير ما هي إلا نتاج سيطرة المفاهيم الجاهلية والخلط بينها وبين القيم الأصيلة التي حث عليها الإسلام، والتي تجد التحفيز والتشجيع من بعض فئات المجتمع وساهم في انتشارها ظهور قنوات (السدح والردح) التي ساهمت في نشر هذه المفاهيم بين الشباب معززة ذلك بمؤثرات إنشادية في سعي حثيث لتسطيح عقول الناس واستدعاء ثارات جاهلية.

لدرجة أن هناك في الخفاء من يلمز أن وراء الأكمة ما وراءها وأن هناك أهداف بعيدة لإلباس المجتمع ثوب الجاهلية الأولى ، فمن المستفيد يا ترى من بقاء هذا الوضع على ما هو عليه في مجتمع بحاجة لوحدة الصف ونبذ مثل تلك التصرفات الجاهلية  . 

 

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com